الاقصى قبلة القلوب والعيون
الهيجاوي للدراسات

:: الضفة الغربية... ما بين عبثية المفاوضات وزيف الحوارات

الضفة الغربية... ما بين عبثية المفاوضات وزيف الحوارات

  د. طارق محمد زغموت
 
   

 

تستحوذ  الضفة الغربية،ومنذ زمن، على اهتمام استثنائي ومميز لدى صناع القرار في الدولة العبرية، ترجمته نقاشات وقرارات المحافل والهيئات الحكومية وتقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية،والتي كان آخرها  ما ذهب إليه رئيس الشاباك يوفال ديسكن من ضرورة متابعة التطورات السياسية في السلطة الفلسطينية عن كثب وانعكاساتها على واقع الضفة الغربية وذلك خلال جلسة الحكومة بتاريخ 31/8 /2008،كما أن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس،وفي زيارتها الأخيرة إلى الأراضي المحتلة، استعرضت مفهومها لحدود الـ67 في الضفة الغربية وبالتالي وضعها في أي تسوية مستقبلية،وفق ما سُرب وأقرَ به صائب عريقات ونبيل أبوردينة،هذا مع الأخذ بعين الاعتبار مجموع القرارات والمراسيم التي اتخذها رئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض،منذ تشكيل حكومة تسيير الأعمال، وتجاوز عددها ،حتى يومنا هذا، الأربعمائة مرسوم.

 ولدى التمعن في تلك القرارات والمواقف ،وربطها مع الواقع الميداني ، والمتمثلة  بتغييب النخب السياسية الوطنية وإغلاق المؤسسات المدنية وإعادة هيكلة الأوضاع المالية المترافق مع تبلور جماعات ضغط اقتصادية مسيّسة ،ناهيك عن تصاعد حملات الاعتقال والمطاردة للعناصر المقاومة،وتزامن ذلك كله مع تواصل محاولات تهويد القدس المحتلة وتصاعد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، نجد أن الضفة الغربية تخضع لعملية إعادة صياغة تتناول التركيب والبنية على الأصعدة كافة،السياسية والاقتصادية والأمنية،بل أيضاً الاجتماعية.

   وقد نخطئ إذا ما اعتقدنا بأن هذه الحملة هي من حداثة العهد بمكان، أنها بدأت منذ زهاء عام ونيف،وأن ننظر إليها من زاوية ضيقة تدرجها في سياق رد الفعل تجاه عملية الحسم في قطاع غزة، والخشية من تكرار ذات السيناريو في الضفة الغربية .

فمنذ توقيع اتفاق أوسلو وانتقال الكيان الصهيوني إلى مرحلة ما يسمى باتفاقيات السلام ،أخذ التكتيك الإسرائيلي يتمحور حول الحد من تقديم ما يراه (تنازلات مؤلمة) للطرف الفلسطيني والمحافظة على امتيازات الاحتلال من دون تحمل مسؤولياته وتبعاته الأخلاقية والسكانية،بما يتوافق مع التوجهات الدولية في ذاك الوقت ،متخذاً غطاء لذلك الاتفاقيات الانتقالية والذرائع الأمنية،وهذا بدوره اقتضى عملية إعادة صياغة البنية الجغرافية والسكانية للمناطق المحتلة بمختلف أبعادها ،وعلى وجه الخصوص في الضفة الغربية نظرا لاعتبارات إسرائيلية عدة ،لعل من أهمها الأيدلوجية وتأتي من بعدها الأمنية والاقتصادية  .

عملية التغيير تلك أضحت أكثر إلحاحاً ،لكل الأطراف المشاركة فيما يسمى بـ(عملية السلام)، وذلك نتيجة لما شهدته الساحة الفلسطينية من سياقات وتطورات ، تجسدت بتغيير معادلة وتوازنات القوى  الداخلية،والتي كان خير دليلٍ عليها ما تمخضت عنه الانتخابات البلدية ومن ثمَّ التشريعية في منا طق السلطة،الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر وإجراء مراجعة لاعتبارات كانت بحكم المسلمات تقضي بحسم الضفة الغربية لصالح اتجاه معين ،وترافق ذلك بتراجع  الحضور العسكري الإسرائيلي ، على هيئة الانسحابات أحادية الجانب من جنوب لبنان وقطاع غزة وتآكل الردع والإخفاق،إن لم نقل الهزيمة،في مواجهة المقاومة،والتخوف من استنساخ التجربة في الضفة الغربية،ذلك في الوقت الذي توصلت فيه كل الأطراف ،صاحبة المصلحة بالعملية التفاوضية، إلى استنتاج مؤداه أن مفاعيل هذه السياقات ستغدو أبعادها أعمق نتيجة الوضع الإقليمي المتمثل بظهور قوى جديدة في المنطقة وتبلور سياسة المحاور ،وخاصة في ضوء سلسلة إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط ،وانعكاس ذلك على حضور ونفوذ ما يسمى بـ(محور الاعتدال).

تلك العوامل مجتمعة إضافة  إلى عجز أرباب العملية التفاوضية عن التوصل إلى أي حل، وانعكاس ذلك على رؤيتهم السياسية لجهة بدء انهيار مشروع الدولتين ،وتغليب منطق المصالح السياسية الحزبية والانتخابية،ترتب عليها دخول كل من (إسرائيل) وسلطة رام الله والولايات المتحدة الأمريكية، في سباق محموم مع الزمن لإتمام عملية التغيير وإعادة الصياغة المذكورة آنفاً.

فمنذ لقاء أنابوليس وإطلاق الوعد الأمريكي المزعوم بالتوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني_ الإسرائيلي قبيل نهاية العام الحالي، أطلقت رصاصة البدء لتكثيف البناء في المستوطنات والحملات الأمنية ضد الفلسطينيين في مدن الضفة الغربية، سواء من قوات الاحتلال أو أجهزة الأمن التابعة لحكومة تسيير الأعمال،وتفريغ المؤسسات السياسية الفلسطينية من مضمونها وجعلها غير ذات صلة ،كما يحدث في حالة المجلس التشريعي من اعتقال لأعضائه والتفاف على صلاحياته من خلال إعادة إحياء هيئات ومؤسسات ذات لون واتجاه سياسي واحد، واستهداف الجمعيات الخيرية والمدنية بالملاحقة والتخريب،وتدفق أموال الدول المانحة الانتقائي إلى السلطة الفلسطينية،والارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون الأمني ما بين أجهزة أمن السلطة ونظيرتها الإسرائيلية ، ودعمه بتسهيلات إسرائيلية تتعلق بالسماح بإدخال العناصر والسلاح والمعدات إلى مناطق الضفة الغربية ،وفق ما أقره المنسق الأمني الأمريكي كيث دايتون ،خلال لقاء مع صحيفة هآرتس، وأكدته الأحداث على أرض الواقع.

و اتخذت تلك التدابير منحى تصاعديا مع اقتراب نفاد العمر السياسي لأطراف عملية التسوية مع دنو موعد استقالة أولمرت والانتخابات الرئاسية الفلسطينية والأمريكية،وذلك في محاولة من تلك الجهات لتهيئة البنية التحتية لفرض أي حل سياسي قد تتمخض عنه اللقاءات والمفاوضات ،والتي يثير إصرار أقطابها على مواصلتها  وتكثيفها الريبة والاستهجان في ضوء ما تعانيه من غياب للجدوى والمصداقية،و ضمان مرور هذه اللحظة الانتقالية بهدوء ريثما يتم معالجة أبعادها وتتضح ملامح المشهد السياسي بما يحقق إعادة الاستقرار إلى أنظمة الجهات المعنية(السلطة وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية).

ولعل الفهم العميق  لأبعاد تلك الممارسات ،وما قد يتمخض عنها من نتائج وآثار بعيدة الأمد، قد تنعكس على مجمل القضية الفلسطينية،هو ما قد دفع ببعض فصائل المقاومة إلى أن ترى في دعوات الحوار غير الجدية،وإطلاقها بهذا الشكل والتوقيت، والآلية التي تدار بها ،على أنها قنبلة دخانية ترمي إلى صرف الانتباه وإشغال الساحة الداخلية عن تلك الممارسات والتغطية عليها .

كما أن خطورة ما تشهده الضفة الغربية ،والإدراك بأن ما سيتمخض عنها سيتخطى حدودها الجغرافية، هو ما دفع بالنظام الأردني، إلى إعادة مراجعة علاقته مع مختلف مكونات السياسة الفلسطينية، وإلى رفض النظام المصري الصريح لكل ما يسوق من اتفاقيات جزئية واقتراحات تسوية تتعلق بمدينة القدس المحتلة .

وبهذا نجد أن الضفة الغربية باتت تقع ما بين  مطرقة مخططات وممارسات الاحتلال وسندان عبثية المفاوضات و زيف الحوارات الذي تمارسه السلطة،في محاولة لتطويعها وإعادة هيكلتها على شتى المستويات، إذ إنها تعتبر  بمثابة ممر إجباري،يسمح لمن يفرض سيطرته عليه أن يمرر ويثبت رؤيته ومشروعه السياسي،ليس فقط على مستوى القضية الفلسطينية وإنما أيضا في المنطقة.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية